السيد كمال الحيدري

118

في ظلال العقيده والاخلاق

أحبَّ الدنيا الزائلة عبَدها أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ « 1 » . ومن عبد الشئ الزائل فإنّ معبوده سوف يزول يوماً ما ولكن علاقته به لن تزول وسوف يحشر يوم القيامة ومعه تلك العلاقة وذلك الحبّ للمعبود الزائل وسيعيش حرقة الألم اللامتناهى على محبوبه الذي لا وجود له . ولا يعنى هذا حرمة الاستفادة من الدنيا أو أن يملك الإنسان فيها شيئاً ما ، فإنّ القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام لم تحرّم ولم تمنع الإنسان المسلم من أن يتزوّج أو أن يكون له مال أو ولد ، بل له كلّ ذلك ، بشرط أن لا يتعلّق قلبه بهذه الأمور لأنّها إلى زوال وفناء ، ومن هنا قالوا : « ليس الزهد أن لا تملك شيئاً ولكن الزهد أن لا يملكك شئ » . وفى قوله تعالى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ « 2 » إشارة إلى أنّ نيل البرّ لا يتمّ حتّى ينفق الإنسان ممّا يحبّه بحيث لا يستطيع هذا الشئ الذي يحبّه أن يتملّكه فيكون عبده ولا يتمكّن من إنفاقه في سبيل الله . وفى ذيل هذه الآية المباركة ، يقول الفيض الكاشاني : هناك قراءة أُخرى في الآية وهى « لَن تَنَالُوا الْبرَّ حتَّى تُنفِقوا مَا تُحِبُّونَ » « 3 » لا مِمَّا

--> ( 1 ) الفرقان : 43 . ( 2 ) آل عمران : 92 . ( 3 ) تفسير الصافي ، تأليف فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة أستاذ عصره ووحيد دهره المولى محسن الملقب ب « الفيض الكاشاني » المتوفى سنة 1091 ه ، ج 1 ص 328 ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت - لبنان .